السيد عبد الله شبر

40

مصابيح الأنوار في حل مشكلات الأخبار

لأنّهم لم يتعلّقوا بهذه الدنيا ولا بهذه الأجساد تعلّق ركون وإخلاد ، فهم وإن كانوا في النشأة الفانية بأبدانهم العنصريّة ، ولكنّهم ليسوا من أهلها كما مضى بيانه . قال الصادق عليه السلام في حديث حفص بن غياث : « يا حفص ، ما أنزلت الدنيا من نفسي إلّا بمنزلة الميتة إذا اضطررت إليها أكلت منها » ، فلا جرم نفضوا أذيالهم منها بالكلّيّة إذا ارتحلوا عنها ، ولم يبق معهم منها كدورة . وإنّما لم يذكر نصيب الناصب وأئمّة الكفر من إفاضة عالم الجبروت مع أنّ لهم منه حظّ الشعور والإدراك وغير ذلك ؛ لعدم تعلّقهم به ولا ركونهم إليه ، ولذا تراهم تشمئزّ نفوسهم من سماع العلم والحكمة ، ويثقل عليهم فهم الأسرار والمعارف ، فليس لهم من ذلك العالم « إِلَّا كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ وَما هُوَ بِبالِغِهِ وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ » « 1 » ، « نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ » ، « 2 » فلا جرم ذهب عنهم نصيبهم من ذلك العالم حين أخلدوا إلى الأرض واتّبعوا أهواءهم . فإذا جاء يوم الفصل وميّز اللَّه الخبيث من الطيّب ارتقى من غلب عليه إفاضات عالم الجبروت إلى الجبروت وأعلى الجنان ، والتحق بالمقرّبين ، ومن غلب عليه آثار الملكوت إلى الملكوت ومواصلة الحور والولدان ، والتحق بأصحاب اليمين ، وبقي من غلب عليه الملك في الحسرة والثبور والهوان والتعذيب بالنيران ؛ إذ فرّق الموت بينه وبين محبوباته ومشتهياته ؛ فالأشقياء وإن انتقلوا إلى نشأة من جنس نشأة الملكوت خلقت بتبعيّتها بالعرض ، إلّاأنّهم يحملون معهم من الدنيا من صور أعمالهم وأخلاقهم وعقائدهم ممّا لا يمكن انفكاكهم عنه ممّا يتأذّون به ، ويعذّبون بمجاورته من سموم وحميم وظلّ من يحموم ، ومن حيّات وعقارب ذوات لدغ وسموم ، ومن ذهب وفضّة كنزوها في دار الدنيا ولم ينفقوها في سبيل اللَّه ، واشرب في قلوبهم محبّتها « فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ » ، « 3 » ومن آلهة يعبدونها من دون اللَّه من

--> ( 1 ) . الرعد ( 13 ) : 14 . ( 2 ) . الحشر ( 59 ) : 19 . ( 3 ) . التوبة ( 9 ) : 35 .